ابن رشد

227

تهافت التهافت

المسألة التاسعة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم قال أبو حامد : فنقول : هذا إنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث من حيث أنه لا يخلو عن الحوادث ، وكل حادث فيفتقر إلى محدث ، فأما أنتم إذا عقلتم جسما قديما لا أول لوجوده مع أنه لا يخلو عن الحوادث فلم يمتنع أن يكون الأول جسما أما الشمس وأما الفلك الأقصى وأما غيره . فإن قيل : لأن الجسم لا يكون إلا مركبا منقسما إلى جزءين بالكمية وإلى الهيولى والصورة بالقسمة المعنوية وإلى أوصاف يختص بها لا محالة حتى يباين سائر الأجسام وإلا فالأجسام متساوية في أنها أجسام وواجب الوجود واحد لا يقبل القسمة بهذه الوجود كلها . قلنا وقد أبطلنا عليكم هذا وبينا أنه لا دليل لكم عليه سوى أن المجتمع إذا افتقر بعض أجزائه إلى البعض كان معلولا . وقد تكلمنا عليه وبينا أنه إذا لم يبعد تقدير موجود لا موجد له لم يبعد تقدير مركب لا مركب له وتقدير موجودات لا موجد لها إذ نفي العدد والتثنية بنيتموه على نفي التركيب ونفي التركيب على نفي الماهية سوى الوجود ، وما هو الأساس الأخير فقد استأصلناه وبينا تحكمكم فيه . فإن قيل : الجسم لم يكن له نفس لا يكون فاعلا ، وإن كان له نفس فنفسه علة له فلا يكون الجسم أولا . قلنا : نفسنا ليست علة لوجود جسمنا ولا نفس الفلك بمجردها علة لوجود جسمه عندكم ، بل هما يوجدان بعلة سواهما فإذا جاز وجودهما قديما جاز أن لا يكون لهما علة . فإن قيل : كيف اتفق اجتماع النفس والجسم ؟ . قلنا : هو كقول القائل كيف اتفق وجود الأول فيقال هذا سؤال عن حادث فأما ما لم يزل موجودا فلا يقال له كيف اتفق ، وكذلك الجسم ونفسه إذا لم يزل كل واحد موجودا لم يبعد أن يكون صانعا .